أحمد بن يحيى العمري

130

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وأكمل تخطيطا ، وللترك حسن الوجوه ، وللروم حسن الأبدان ، فمحاسن الترك أفضل لأنها لا تغطي ولا تحجب ، ومحاسن الروم أخفى لأنها تغطي وتحجب . [ الإسكندر وبلاد فارس وأرسطو وصاحب الصين ] فأما شرف الجنس وبعد الهمة ووفور العقل والشجاعة فأين الروم مما وهبه الله الترك من ذلك حتى إن الإسكندر « 1 » وهو أجل ملوك الروم بل الأرض ، ولا خلاف في حكمته وفضله ، وقد أقر للترك على نفسه ، فإنه لا تطمح نفس أحد من الفرس إلى مطاولة الترك ، وقد طاولت الروم ، وكان لها الغلب على الروم غالبا ، ولما أتى الإسكندر بلاد الفرس رأى من رجالهم ما بهر عقله فكتب إلى معلمه ووزيره أرسطو « 2 » يعلمه أنه شاهد بإيران شهر رجالا ذوي أصالة في الرأي ، وجمالا في الوجوه لهم مع ذلك صرامة وشجاعة ، وأنه رأى لهم ( ص 45 ) هيئات وخلائق ، ولو كان عرف حقيقتها لما غزاهم ، إنما ملكها بحسن الاتفاق والبخت « 3 » ، وأنه لا يأمن إن ظعن عنهم وثوبهم ، ولا تسكن نفسه إلا ببوارهم . فكتب إليه أرسطو : فهمت كتابك في رجال فارس ، فأما قتلهم فهو من الفساد في الأرض ، ولو قتلتهم جميعا لأنبتت البلد أمثالهم ، لأن إقليم بابل يولد أمثال هؤلاء الرّجال ، من أهل العقول والسداد في الرأي ، والاعتدال في التركيب ، فصاروا أعداءك وأعداء عقبك بالطبع ، لأنك تكون قد وترت القوم وأكثرت الأحقاد على أرض الروم منهم وممن بعدهم ، وإخراجك إياهم في عسكرك مخاطرة بنفسك وأصحابك ، ولكني أشير عليك برأي هو أبلغ لك في كل ما تريد من القتل ، وهو أن تستدعي أولاد الملوك ، ومن يستصلح للملك ، وهو مرشح له ، فتقلدهم البلدان ، وتولهم الولايات ليصير كل واحد منهم ملكا برأسه ، فتفرق كلمتهم

--> ( 1 ) الإسكندر المقدوني : توفي سنة ( 323 ق . م ) . ( 2 ) أسلفنا ترجمته في ص 52 هامش 2 ، وانظر موسوعة أعلام الفلسفة 1 / 72 - 76 ومعجم الفلاسفة ( 52 ) وما بعدها ، وتعليمه الإسكندر ابن ملك مقدونيا 1 / 72 . ( 3 ) البخت : الجدّ .